من يزرع قمحاً لا يحصد شعيراً. الخراب الذي انفجر، ولا يزال، في وجه أمةِ العرب هو الجزاء التاريخي لما قدّمت أيدينا على مدى نحو نصف قرن من تاريخنا، المعاصر، خاصة بعد الانتصار النهائي للدول الاستبدادية التسلطية على مجتمعاتها وشعوبها. وما العنف والاحتراب والفوضى التي تجتاح دول الربيع العربي وغيرها إلا نتائج مباشرة ومنطقية لهذا “الانتصار”.
لقد آن الأوان لتقديم رؤية نقدية لتاريخ العرب الثقافي والسياسي، تؤسس جدياً ونهائياً لسيرورة تحول الشعوب العربية وتقدمها. بما يمكنها من صناعة مستقبلها وحياتها وتاريخها السياسي الداخلي الخاص بكل منها.
المفكر الكبير الياس مرقص، بفكره النقدي وثقافته الموسوعية وروحه الحرة، عمل على مدى أربعة عقود على تأسيس المفاهيم وبسْطها في الفكر عموماً، وفي الفكر السياسي خصوصاً. مساهمةً منه في تدشين عصر أنوار للشعوب العربية ينهي ظلمتهم الطويلة. “إنه الليل، هذا الليل المهيب الذي تنطلق فيه بومة منيرفا. كم هي رائعة حكمة هيغل: ان بومة منيرفا لا تأخذ طيرانها الا في الليل! والويل لنا نحن رجال الخطاب والخطابات، هذه الخطابات التي هي أفعال بين الناس، كما يقول هيغل أيضا، اذا كنا، وبعد هبوط الظلام، ضد الحكمة”.
ينطلق الياس مرقص في تأسيسه للفكر السياسي من قاعدتين نقديتين:
أولاً – نقد خطاب العرب “لوغوس العرب”، من خلال تناوله للمفاهيم والمصطلحات المفتاحية في الخطاب العربي، المفاهيم، التي صاغت تصوراتهم وكيفية إدراكهم لأهدافهم. فدخل في سجال فكري غني وطويل مع الأحزاب والمفكرين والمثقفين والقادة. ناقشهم، نقدهم، حاورهم “تناصت وتجابه” معهم، كما كان يحب أن يقول. أعاد بسط المقولات الكبرى وأعاد مفهمتها وأقام عليها الحد. فكلمات مثل ثورة، ديمقراطية، واقع، أمة، قومية، مادة، فكر… إلخ، لم تكن في نظره مفاهيم بديهية، بل هي مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي عموماً، ولا بد من بسطها وإنمائها من جديد ونقدها وإعادة تأسيسها، من أجل تأسيس مستقبل بلا أوهام.
ثانياً – نقد عمل العرب “براكسس العرب” وتجاربهم في كل مرحلة من مسار تاريخهم، وخاصة تاريخهم الحديث في القرنين الأخيرين. فدعا إلى “فَكُر تاريخنا”. يقول في ذلك: “لست بصدد متابعة تفصيلية للتاريخ، ولست بصدد متابعة وقائعية، لكنني في صدد محاولة القبض على أشكال كبيرة، إدراك خطوط عريضة، عملية أسميها فكْر تاريخنا في القرنين الماضيين وصولاً إلى حالتنا المعاصرة. وأعتقد أن المثقفين العرب والوعي العربي لا يمكن أن يتقدموا قيد شعرة ما لم يقوموا بعملية الفَكْر هذه”
لم يكن الياس مرقص يستعمل كلمات: التاريخ والماضي ومعرفة التاريخ أو الوعي التاريخي … الخ، ليتحدث عن غزو خارجي واستعمار ومقاومة ومؤامرات … لأنه كان يعتقد أن تاريخ الشعوب إنما هو أولا وقبل كل شيء تاريخها الداخلي، الجوّاني. وكان ينظر إلى التاريخ الداخلي لأي شعب على أنه جزء من تاريخ العالم، معرفته شرط لازم لمعرفة الذات: فقد “حان الوقت لننظر إلى ذاتنا، إلى تاريخنا الداخلي … يجب أن نعرف التاريخ، يجب أن نعرف الماضي. إن هدفنا الحقيقي، الهدف الجيد، هو أن ننتقل إلى تاريخ غير مأساوي، إلى تقدم غير مأساوي أو على الأقل إلى تاريخ أقل مأساوية بكثير، إلى تاريخ يضفي القدسية على حياة الانسان”.
بما أن فكر الياس مرقص قائم على المعرفة النقدية ونقد الذات، لا بد أن نتوقف فقليلا عند مفهومه للنقد. يقول: “بالنسبة للمعرفة ونظرية المعرفة، في خدمة العمل إن مقولة ” الجهاد الاكبر” تعطي مقولة ” نقد الذات”:
إن نقد الذات يساوي معرفة الذات؛ النقد ليس الهجاء ولا الرثاء، النقد ليس الفخر والمدح. النقد الذي ليس معرفة فعلية ليس نقداً بل هو هجاء وحماقة. إن معرفةً لا تريد، ولا تعي أنها نقد، ليست معرفة حقة. والنقد المقصود نقدان: نقد الموضوع، نقد الأمة، ونقد المعرفة العامية، المعرفة التجريبية الدوغمائية”.
وحده “نقد الذات” محرك للتقدم. وحده نقد الذات دافع ومحرك ورافع للذات. وكل نقد للغير لا يعي أنه نقد للذات، على أساس الهوية: إنسان، بشرية، دنيا، تاريخ … الخ، إنما يتحول إلى حماقة، إلى أكذوبة، إلى إحباط”
المفاهيم المؤسسة لفكر الياس مرقص السياسي.
لم يقم مرقص بإعادة البناء النقدي للمفاهيم إلا ليؤسس لنظم معرفية متعددة. تشكل المنظومة السياسية أحد أهم وجوهها. وتجلى هذا عنده في النقاط الآتية:
دولة الحق والقانون
تطورت المفاهيم السياسية تطوراَ حاسماَ في العصر الحديث. وخصوصاَ بعد انتصار الثورة الفرنسية وما رافقها من إعلان لحقوق الإنسان، باعتبار أن الإنسان مبدأ المجتمع والتاريخ وغاية التقدم. وقد انعكس ذلك التطور بوجه خاص في مفهوم الدولة ونظام الحكم والنظر إلى المجتمع والإنسان ومصائرهما. الأمر الذي أدى إلى تطور هائل لصيغة الدولة الديمقراطية في الفكر والممارسة في أوربا. هذه الدولة الديمقراطية هي ثمرة تاريخ اجتماعي – اقتصادي سياسي داخلي طويل ومعقد خاضته المجتمعات الأوربية على قاعدة قوننة مبادئ وفلسفة حقوق الانسان.
وفي هذا يقول مرقص ” في تاريخ البشرية وإرتقائها، فكرة الحق أسست عملية صنع القانون، ونمت في واقع الناس ومجتمعهم. تاريخ الصعود الأوربي هو في أحد أهم وجوهه تاريخ صنع القانون، نمو الحق الواقعي” 7. ولكن، لسوء الحظ، كان واقع العرب مختلفاً. لم تأخذ فكرة الحق والقانون مكاناً يذكر في دساتيرهم وحياتهم السياسية. ولم تشهد البلدان العربية نمواً وتطوراً لتاريخ داخلي يقود إلى بناء الدولة والمجتمع بمعايير الحداثة والتقدم. بل إن الذي نما وأشتد هو نموذج الدولة الاستبدادية بما هي المعادل التاريخي للدولة السلطانية، جوهرها الدائم هو دمج السلطة والدولة (إلغاء عمومية الدولة).
لذلك دعا مرقص الى “فك الارتباط بين مفهوم الدولة وفكرة السلطة. انهما اثنان. يجب إقامة مفهوم الدولة – المجتمع السياسي “
هذه الأطروحة بالغة الأهمية وهي حجر الزاوية في الدولة الحديثة وفي حياة مجتمعية وسياسية نوعية تليق بالإنسان وكرامته. وبدون هذا المفهوم سيبقى الإنسان في الدول العربية في مستوى الشعور بالرعوية إزاء الدولة، وستبقى الدولة تتعاطى معه كجلاد ونهاب كما يقول ياسين الحافظ. بدلاً من شعوره بالمواطنة وبأنه عضو في الدولة يؤسسها ويتشارك فيها المسؤولية مع سائر مواطنيه.
إن استمرار ممارسة نظرية الدولة – السلطة، كنقيض لدولة الحق والقانون، هي التي أسست وتؤسس لحروب أهلية في سيرورة عجز وتقهقر لا نهاية لها. إذ تتحول الدولة إلى سلطة وحشية، باطشة وغاشمة، وتدخل المجتمع في معادلة المجتمعات البدائية في شكلها الأكثر انحطاطاً: “حرب الجميع على الجميع”. إن ما يجري في عدد من الدول العربية من حروب وفظائع ما هو إلا الترجمة الحرفية لممارسة نظرية الدولة – السلطة.
موقع الديمقراطية في دولة الحق والقانون
منذ سنوات تتردد كلمة ديمقراطية على كل لسان، على أنها البلسم الشافي من جميع أمراضنا، وحل سحري لجميع مشكلات الدولة والمجتمع. إلا أن ما يجري ما هو في الواقع إلا تمريغ لأنف هذا المفهوم في التراب. وذلك على غرار ما جرى لمفاهيم أخرى حديثة على أرض العرب. حيث يتم فهمه وتقديمه وممارسته بشكل خاطئ ومزيف تماماَ، ويتم اختزاله ومسخه بعبارة واحدة: الديمقراطية هي صندوق الاقتراع، وربما أيضاً فصل السلطات. وكفى الله المؤمنين شر القتال. علماً بأن صندوق الاقتراع لا يقود بالضرورة إلى فصل السلطات، والأمثلة كثيرة في عالم العرب وغير العرب.
بخلاف هذا التبسيط وضده يؤسس الياس مرقص الديمقراطية على مفهوم الإنسان وحقوق الإنسان، وحقوق المواطن وحكم القانون. “دولة الحق غير الدولة الديمقراطية، وهي أساس وأرض وشرط كبير جداً لكل دولة ديمقراطية “. .. “عندنا من يريد ” الديموقراطية ” بدون الحق وفكرة الدولة – الشأن العام أو ” الجمهورية – الشئ العام”. دولة الحق أولاَ. في المنطق وربما في الزمنية. لا ديمقراطية بدون دولة، دولة حق، دولة حقوق وقوانين ومؤسسات وقضاء”.
بالتالي لا يمكن الحديث عن الدولة الديمقراطية بدون تأسيسها على مبادئ الحق والقانون. أي الإعتراف بحقوق الإنسان في دستور الدولة. وحماية تلك الحقوق بسلطة القانون وسيادته. القانون الذي ينبثق عن إرادة المواطنين المشتركة، على قاعدة المساواة بين جميع المواطنات والمواطنين في القيمة الإنسانية والمعاملة المتكافئة. وعلى هذا الأساس وحَسب يمكن لمفهوم الدولة الديمقراطية أن يشق طريقه.
المعايير القانونية والأخلاقية للدولة الديمقراطية
ممارسة هذا المفهوم تعني اقراراً لمبدأ المساواة بين البشر. أي إن لهم جمعاً الحريات نفسها والحقوق نفسها دون أي تميز على أساس الدين أو الطائفة أو الإنتماء الإثني أو اللون أو الجنس… وعلى الدولة حماية حقوق مواطنيها بسيادة وسلطة القانون ضد أي نوع من أنواع عدم المساواة أو الانتقاص من حقوقهم.
يربط مرقص في هذا السياق بين تشكل الشعب ككيان سياسي وبين حقوق الإنسان: “حقوق الإنسان أمر حاسم في تشكّل شعب. بقدر ما يكون عندنا حقوق إنسان بقدر ما يتشكل شيء اسمه شعب” . والشعب، الذي يتشكل بتطور حقوق الإنسان، عنده، يتألف من أفراد، باعتبار الفرد أساس المجتمع المدني والمواطن/ـة أساس الدولة، لأن الفرد عنده هو أو هي وحدة الشخص والنوع: “المجتمع مجتمع الاختلاف. كل البشر أفراد. لا يمكن إلا أن يكونو أفراداً. حين نضحي بفرد فنحن نضحي بالكلي (المجتمع والإنسان)؛ كل البشر أفراد، الكلي موجود في كل خاص وكل فرد”
وبما أن المجتمع هو هكذا دوماً، أي مجتمع الاختلاف، فإن الياس مرقص يؤكد على حق الأفراد في الإئتلاف والاشتراك مع غيرهم في تشكيل زمر وجماعات وأحزاب وشركات وجمعيات ومجتمعات بجميع معاني الكلمة. وهذا بدوره يشكل الحياة الروحية والأخلاقية للمجتمع. وعلى العكس من ذلك فإن الدولة القائمة على الانتماءات الدينية أو الطائفية أو الإثنية أو الطبقية أيضاً… ما هي إلا كتل قطيعية تلغي مفهوم الدولة والمجتمع السياسي ويرتد الإلغاء على كل المجتمع.
لكن هذا لا يعني تخلي الأفراد في الدولة الديمقراطية عن انتماءاتهم الاجتماعية. فالدولة، بتعبير جاد الكريم الجباعي “شخص اعتباري لا يجوز أن يوصف بأي من صفات الفرد الطبيعي، ولا يحق لأحد، بالمقابل، أن يطالب الأفراد بالتخلي عن شروطهم الثقافية، ولاسيما الدينية والمذهبية والاثنية أو عن انحيازاتهم وتفضيلاتهم الإيديولوجية “. وبالتالي فإن الدولة الديمقراطية تقيم القانون وتسهم في تطوير وعي أفرادها على أساس مبدأ التساوي في المواطنة وفي الكرامة الإنسانية. وكرامة الإنسان هي حريته.
يعتبر مرقص أن المجتمع يبلغ السقوط الروحي عندما نجد أن الأمازيغي وحده يدافع عن الأمازيغي والكردي عن الكردي والشيعي عن الشيعي… الخ. عندها، كما يقول، ” تصل الحرب الأهلية إلى كل جماعة، تنفذ إلى كل بيت، الانقسام والتشرذم والحقد والاقتتال يعم كل حزب، كل طائفة. لا شئ أكثر تمزيقا من الوحدة كما يؤمن بها العرب.” . ثم يضيف في مكان اَخر: “يجب عدم الخوف من الطوائف، من الجماعات، من المذاهب، من الأديان الخ. لو كان أو صار عندنا بسحر ساحر أو قدرة قادر أو بمشيئة الله عبر الإنسان وتاريخه خمسون ألف طائفة أو مليون جماعة دينية مذهبية صوفية اجتماعية لكان ذلك يكون انتصاراً للوحدة. لاحق ولا قانون مع الواحدية” .
العلمانية والدولة الديمقراطية
غالباً ما تتخذ العلمانية موقفاً دفاعياً. وربما خائفاً ومتردداً إزاء توقع هجوم مناهضيها عليها من أصحاب الفكر الديني المتشدد. فقد قام هؤلاء، على مدى عشرات السنين، بالضغط على المجتمع وعقول البشر لتشكيل عقل جمعي عربي إسلامي مفاده أن العلمانية نزعة إلحادية تستهدف إلغاء الدين من الدنيا وحذفه. وربما ساعد في هذا التصور أيضاً، اشتداد نبرة البعض من أصحاب الديماغوجيا العلمانوية، الذين يشكلون مع مناهضيها وجهين متطابقين لعملة واحدة هي: الاستبداد.
إن كل ما ذُكر آنفاَ من معايير للدولة الديمقراطية: من سيادة القانون والمساواة في الحقوق وحماية الحريات الفردية وحرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني ورفض احتكار الدولة من قبل أي حزب أو فئة اجتماعية، طبقية، دينية،، مذهبية،، إثنية …إلخ إن كل ذلك واجتماعه يعني أن العلمانية إنما تتحقق، في صيغة الدولة الديمقراطية وتصبح جوهرها.
أجل، ليست العلمانية ضد الدين. هو ليس موضوعها أصلاً. لكن الأمر سيختلف كثيراً حين يتعلق الأمر بحزب أو مجموعة يدّعون أنهم يتحدثون باسم السماء. وأن حزبهم أو مجموعتهم المكونة على أساس ديني أو مذهبي، إسلامي أو غير ذلك، يمتلكون مفاتيح الدين والدنيا والآخرة. ويريدون انتزاع السلطة بناء ًعلى مشروعيتهم الدينية. والانتكاس بالشعوب من جديد إلى الواحدية باعتبارها الأساس الموضوعي للدولة التسلطية. وإن قبلت الشعوب العربية من جديد بمشروع كهذا، عندها سيكون وعينا، كما يقول ياسين الحافظ برميل بلا قعر. لا نراكم التجارب ولا نستفيد من المعرفة. فيما عدا ذلك فإن مشاركة أي حزب ديني في الحياة السياسية هو أمر طبيعي وصحي ومطلوب أيضاً. فهو كغيره من الأحزاب السياسية تحت الدستور، تحت القانون الأساسي الديمقراطي الملتزم بحقوق الإنسان والمواطن.
التدين أو الإيمان يتكون، وينمو في روح الإنسان ووجدانه عبر حرية الاختيار حرية الضمير. من هنا فالعلمانية والدين يشتركان في ذروة روحية كبرى هي الحرية. لا الدين يصادر الدولة ويمنع تموضع أسسها ومعايرها كدولة ديمقراطية. ولا الدولة تريد القضاء على الدين أو خلعه من المجتمع. وبهذا المعنى، أيضاً، هما مفهومان متعانقان. ينموان ويتغذيان، بالفعل والممارسة، في الدولة الديمقراطية. وفي هذا يقول الياس مرقص: “حقوق الإنسان، الحق الإنساني، المساواة، حرية الضمير، فصل الدين عن الدولة والدولة عن الدين، تعاتق الدين والدولة، حرية الدين مع وفي المجتمع، في الدنيا وفوقها وتحتها .. هذه المبادئ يجب، بعد صراع طويل، أي بمواجهة منهجية ومسؤولة، أن تكون “بديهيات”، أن تصير مبدأ أول في كل دستور للعرب، في دستور الأمة – الدولة “.
إن عصر كلية القهر وجدلية القهر ( الغالب مغلوب، المتنامي هو المملوكية…) ينبئ بمجيئ كلية الحق. لكن إذا كان الفكر مستقيلاً أو غائباً، فإن الأثمان المدفوعة ستذهب هدراً” . العلمانية هي ضد من ينكرون الدولة الديمقراطية بكل أسسها ومعايرها باعتبارها كلاً واحداً لا انفصال أو انتقائية بين أجزائها.
باختصار إن هذه الدولة التي صار أساسها وجوهرها العلمانية هي الدولة التي لم تعد تسلم رقبتها لأي استبداد أو طغيان. سواء كان حزباً دينياً أو طبقياً أو طائفياً مذهبياً أو قيادة تاريخية … عندها وفقط عندها يكون الشعب قد امتلك نفسه ومستقبله.
الياس مرقص وتيار الفكر الإسلامي التقدمي
بقيت المسألة الدينية وقضايا الفكر الإسلامي بعيدة عن أي مناقشة أو اهتمام من قبل معظم المفكرين والمثقفين والأحزاب طيلة عقود. وخصوصاً منذ بداية الخمسينات، حين سلطن الفكر اليساري الماركسي، القومي والاشتراكي. وحتى بعد هزيمة حزيران 1967، وانكسار مشروع ذلك الفكر وانكشافه كفكر رث وهزيل استمر المثقفون “التقدميون” على موالهم القديم وكأن شيئاً مهماً لم يحدث. ناهيك عن قلة قليلة غردت خارج السرب كان أبرزهم عبد الله العروي وياسين الحافظ والياس مرقص. الذين أشاروا بالمسؤولية إلى بُنى المجتمع اعتماداً على مفهوم التأخر التاريخي.
تنبع أهمية مناقشة المسألة الدينية من موضوعة أن الوعي العربي الإسلامي قد تكوّن بموجب قواعد معرفية تمت صياغتها في القرنين السابع والثامن الميلادي. التي ما لبثت أن ترسخت على مر القرون كثقافة متيبسة وتكرارية ونافية للعقل والنقد. الأمر الذي انعكس على واقع الشعوب العربية الإسلامية وحكم عليها بالتأخر في كل نواحي الحياة من المعرفة إلى السياسة.
إن إهمال هذه المسالة لم يخدم، بل أضرّ كثيراً. أدان الياس مرقص الهروب من هذه المسالة قائلاً: “أما الفكر التقدمي، غير الإسلامي، بشتى مدارسه، فيجب أن يدان إدانة قطعية على هروبه من المسأليّة الدينية الكبرى والجذرية، يجب أن يُدان على قصوره النظري والطريقي، على تبعيته التافهة للمناخات الوضعانية والعلموية، والماركسية العلموية، و”السياسية” المتنوعة ” و(المتسرعة )” .
إن الاهتمام بالمسألة الدينية يعني :
أن فهم الماضي، الذي صاغ الوعي العربي الإسلامي، هو مقدمة لتصفية الحساب معه وتجاوزه نقدياَ.
هناك شيء اسمه فكر ديني. موجود ومتعين في الواقع. له وجود وله أثر وله نتائج. ولم يعد مجدياً الاستمرار في تجاهله.
إن تجاوز المثقف لإشكالية معينة لا يعني أن مجتمعه سيتجاوزها بنفس الطريقة أو بنفس السرعة. لأن زمنية التاريخ، كما يقول العروي، غير زمنية الفرد. بالتالي، “يجب اسئناف المسألة الدينية المتروكة قبل عشرة قرون، وصرف المسائل المذهبية الطائفية وشتى التجارات بالتي هي أحسن”.
يوجد في الفكر العربي الإسلامي تباشير صعود فكر إسلامي جديد، لاحت ارهاصاته منذ ما يزيد على أربعة عقود. وظهرت أسماء عدد كبير من المفكرين في هذا المجال. إلا أن تفاعل المفكرين والمثقفين من التيارات الأخرى، لا يزال ضعيفاَ جداً. فلا “تجابه ولا تناصت”.
يعتقد الياس مرقص “أن مستقبل العالم العربي” (الأمة العربية بأقطارها وشعوبها، وجميع طوائفها، وقضية الوحدة العربية ) والعالم الإسلامي أيضاً مرهونة بين جملة أمور وعلى رأس جملة أمور بمستقبل هذا التيار (يقصد تيار الفكر الإسلامي التقدمي )، بتبلوره إزاء المناخ “الإسلامي” أو شبه الإسلامي العام، الحاضر و”التراثي” و”الثوري” و”السياسي” مع تأكيدي على المزدوجات”
إن الحوار النقدي مع هذه التيارات من شأنه أن يسهم في تطوير كل أطراف الحوار. ودفعها إلى فضاءات فكرية أغنى وأرحب. الإسلام المعاصر، ممثلاً في واحد من أهم رموزه. هو المفكر الإسلامي محمد شحرور يقوم بعمل بالغ الجرأة، وبانفتاح نقدي جذري على كل فتوحات الفكر المعاصر. الأمر الذي ينبئ بصعود تيار إسلامي نقدي، حديث ومتحرر، ينفض عن كاهله عبء تقيد الفكر العربي الإسلامي بقيود الفقه. وكأن مشروعه هو استجابة للإشكالية التي طرحها الياس مرقص: “هل الدين “الإسلام” يسوغ في عقيدته وبها، حق البشرية في النمو والتقدم والتحول، أم يفرض على جماعة المؤمنين الإيمان بوجود نموذج أول “إسلامي” عليهم أن يقلّدوه وأن يحاكوه، أن يحافظوا عليه وأن يعيدوا إنتاجه ؟ هذا السؤال يجب أن يُطرح، وأن يجاب عنه، أن يسلطن كسؤال، و أن يُحسم” . فإن كسب معركة المستقبل سيبقى مرهوناً بتقدم الفكر وانتصاره في صراعه ضد الفكر الظلامي الاستبدادي بكل ألوانه وأشكاله. إن عالم الغد، كما يقول مرقص، لا يمكن أن يكون كعالم اليوم. يجب أن نكون من صانعيه. كان على العرب أن ينشئوا تصورهم وخطهم ونظريتهم. لم يفعلوا. علينا أن نفعل …
الياس مرقص نحوَ تأسيس فكر سياسي جديد
مشاركة:
Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn
Author
Author
وسائل التواصل الإجتماعي
آخر المقالات

قاموس دلالي ـ تاريخي
ديسمبر 14, 2022

الإيمان والإيمان الديني أو الإيمان الحسي
والإيمان العقلي
ديسمبر 14, 2022

الاستلاب أو الاغتراب
ديسمبر 14, 2022
احصل على آخر التحديثات
تابع رسائلنا الاسبوعية
لا بريد مزعج ، إخطارات فقط حول المنتجات الجديدة والتحديثات.